محمد جواد مغنية
34
في ظلال نهج البلاغة
وقد أجاب الإمام ( ع ) عن ذلك بقوله : « ليس هو بعلم غيب ، وإنما هو تعلَّم من ذي علم » . يريد ( ع ) ان مصدر علمه هو رسول اللَّه ( ص ) عن جبريل عن اللَّه سبحانه الذي لا خالق إلا هو . . ومن أجل هذا تكلم الإمام ( ع ) بثقة ويقين ، لا بحدس وتخمين . . كيف وهو القائل : « لا تقل ما لا تعلم » بل لا تقل كل ما تعلم ، فان اللَّه فرض على جوارحك كلها فرائض يحتج بها عليك يوم القيامة . وكل الناس يعلمون ان عليا تنسجم أقواله مع أفعاله ، وأفعاله مع دينه وضميره . سؤال ثان : ان هذا الجواب لا يستمع اليه الا من آمن بالغيب ، وبصورة أخص بنبوة محمد ( ص ) أما من جحد وأعرض فإنه يهزأ ويسخر . الجواب : نحن نؤمن بالغيب ، وبعصمة الأنبياء والأئمة الأطهار ، نؤمن بذلك للدلالة القاطعة ، بل والضرورة الواضحة ، وقد أعلنا هذه الأدلة على الملأ فيما سبق من الأجيال وفي هذا الجيل ليطلع عليها من أحب . . وليس من شرط العمل بالدليل أن يثبت عند كل الناس وإلا ما اختلف اثنان ، بل يكفي لصحة العمل به أن يثبت عند من يركن اليه . ومن أجل هذا لا نفرض نحن أدلتنا على جاحد أو مشكك ، وكل ما نطلب من هذا وذاك أن يعاملنا بالمثل ، ولا يفرض علينا رأيه ، وان يراجع التفكير قبل الجزم ، ويتروى قبل الحكم بأن هذه النظرية أو تلك - مثلا - هي ضدّ الحق والواقع مع العلم بأنها قيد البحث والدرس عند العلماء ، وانهم في حيرة من أمرها . . وهذا هو شأنهم في الكثير من النظريات والأفكار ، ومنها نظرية الخلق . بل إن صاحب أعظم عقلية علمية في هذا العصر وهو اينشتاين قال : « ان العقل البشري مهما بلغ من العظمة فهو عاجز عن الإحاطة بالكون » . ونحن نؤمن بهذا ، وبأنه لا أحد يحيط بالكون وأصله إلا خالق الكون ، أو من ارتضى من عباده : « عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول - 27 الجن » . وإذا كان اينشتاين نفسه عاجزا عن معرفة الكون الذي عاش فيه باعترافه ، فكيف يسوغ الحكم على قول الإمام ( ع ) في الكون الأول بأنه يصادم الواقع ، ويخالف العلم الحديث . . هذا هو غرضنا الأول والأخير من هذه الفقرة أو من هذا التمهيد . . والسلام على من قال : رب ملوم لا ذنب له .